كرسي في مقهى- 7
كلنا في الهوى سوا!


ميسون أسدي


 // أعتقد أن كلمة "هوى" التي تعني الحب والعشق وميل النفس إلى الشهوة مصدرها "هوى" يعني سقط، وعندما اقترنت بالحب أصبحت إشارة إلى أن الشخص المقصود وقع في براثن الحب، ولا أدري من الذي أطلق على المومسات اسم "بنات الهوى"، فهي تسمية ذكية جدا لأنهن اللواتي يصطدن الرجال في شباكهن.. ولو أخذنا كلمة هوى وحدها بمعنى الحب، لأصبح اسمهن "بنات الحب" حيث يقدمن خدمة إنسانية للرجال المحتاجين للحب ولا يجدونه في اي مكان آخر.
فكرت بذلك وأنا جالسة على مقعدي المفضل في مقهى "نيتسا"، أراقب الشابة مجدولين التي عرف عنها بأنها من بائعات الهوى.. ومجدولين بسيطة اللباس والحديث، لا تفرق بينها وبين أي امرأة عادية في الشارع أو المقهى أو الحانوت، وصلت للمقهى بقامتها الطويلة وشعرها الأسود الذي يغطي كتفيها، منتعلة حذاءً بسيطا وفستانا يكشف جزءًا كبيرًا من ظهرها، أساريرها مشرقة بنور لطيف ناعم.
كان مقهى "نيتسا" خاليًا من الرواد إلا من ثلاث طاولات منها طاولة الأستاذ تامر الذي يجالس صديقه فريد، وطاولة أخرى يجلس إليها رجل مسن يبدو كصعلوك متشرد، في عينيه شرود مزعج وفي شفتيه رعشة دائمة، يجلس ويطلب زجاجة صودا صغيرة يحتسيها وكأنه يعد ساعاته الأخيرة على الأرض. كان بعض المارة يطرحون عليه السلام فلا يرد ولو بإشارة من حاجب أو تمتمة من شفة. وإلى الطاولة الثالثة يجلس صاحب المقهى مع أحد الزبائن يدخنان، وكما يبدو، كان يأخذ استراحة المحارب قبل المعركة، فهو يعرف أنه خلال دقائق سيمتلئ المقهى ولن تتسنى له الفرصة لتدخين سيجارة واحدة داخل مقهاه، خاصة بعد أن سرى قانون منع التدخين في المقاهي وأصبحت تفرض على المخالف غرامات مالية باهظة.
اقتربت مجدولين من المقهى فأزاح الأستاذ تامر رأسه جانبا خوفا من أن تتعرف عليه، فهو معلم لابنتها التي أصبحت في المرحلة الثانوية، ويعرف أنها تمتهن بيع جسدها مقابل بعض الشواقل، ولم يرغب أن يسبب لها الإحراج، خاصة أنها بدأت تتفقد أحدهم لاصطياده..
وقفت مجدولين بمحاذاة طاولة المسن تنظر إليه طويلا دون أن يرف لها جفن، فقال لها المسن بكلمات مرتعشة: اجلسي هناك طاولات فارغة عديدة..
فسألته بصوتها المليء باللهفة والغنج: أأنت وحدك؟
- نعم وحدي..
- هل يمكنني مجالستك؟
-  تفضلي..
- أين تقيم؟
- قريبا، على مرمى حجر من المقهى..
- أليست لديك رفيقة؟
- كان لي صديقة قبل عشرة أعوام، بعد وفاة زوجتي، والآن أنا وحيد..
 كان صوت النادل أليكس في المقهي وهو يتصايح مع أحد الزبائن الجدد، يعيق سمع تامر فتفوته بعض الكلمات بين مجدولين والمسن، وفي نفس الوقت لم يرغب أن يلفت انتباههما بأنه يصغي بجوارحه إليهما. وبين الفينة والأخرى كان ينظر إلى الرجل المسن وهو متأكد بأن مجدولين لن تنجح باصطياده، فسحنته مكشرة ومقطب الجبين ومسن أكثر مما يلزم، وواصلت هدهدته ومناغاته.
حال جلست مجدولين إلى طاولة العجوز، باعدت ساقيها بحركة سريعة وكشفت له عن أعلى فخذها تخبره بأنها تلقت ضربة ما، ويؤلمها مكان الضربة. أثارت تامر بحركتها المغرية وتحركت مشاعره لمنظرها، وسرعان ما سترت فخذيها وكأن ما بدر منها أمر بريء، والمسن الأخرق بقي بذات الملامح المرهقة.
تلصص تامر من الجانب الأيمن ولكن هذا غير مريح، فانتقل من مكانه واعتدل قبالتها تماما، واعتذر من صديقه فريد الذي استفزته تصرفاته الصبيانية وهكذا أصبح في مواجهة بائعة الهوى والمسن المتهدل.
مالت مجدولين على المسن وقربت ثدييها منه ثم أخذت تبعدهما تارة وتدنيهما من وجهه تارة أخرى، تأججت النيران في أحشاء تامر وألهبت حركاتها المشاغبة أحاسيسه، فشعر بدبيب النمل يجري في أوصاله من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. وكلما فتحت ساقيها وأغلقتهما بحركاتها التلقائية السريعة، يثور تامر مجددا ويغلي الدم في عروقه وتتسارع أنفاسه.
لم يلاحظ تامر أنني أرقبه، فأنا أعرفه وأعرف المرأة وأعرف ابنتها التي كانت تدرس مع ابنتي في الحضانة..
بلغ مسامع تامر وهي تتكلم بصوت خافت أن ابنتها في الجامعة، وبأنها تسكن بالإيجار، والحياة الاقتصادية صعبة عليها. والمسن يجيبها بصوت عال فيسمعه كل من حوله وهو غير مبال.
كانت مجدولين تلتفت حولها بين الفينة والأخرى، فيصطنع تامر الحديث الرزين مع صديقه فريد.
اقتربت مجدولين من المسن، وأمسكت ثدييها بكلتا يديها ورفعتهما إلى أعلى بحركة سريعة دون أن تنظر إليه فكشفت عن نهديها، وتهللت أسارير المسن ضاحكا، فقال تامر وفريد في آن واحد: صادته..
بعد لحظات، سمعاه يغني بصوت عال، فتأكدا من أن الصنارة غمزت ووقع العجوز في شباكها.. بعدها قال العجوز بصوت جهور: بيتي قريب هيا بنا..
قالت له وهي تنهض عن كرسيها: هل عندك ما نأكله؟
- عندي كل شيء..
سارا معا وغدا العجوز بمشيته إلى جانبها كالشاب يتيه خيلاء.
قال تامر لصديقه: أنا سعيد لأجلها، ستقوم بما يحلو له وقد يعطيها مائة شاقل أو أكثر، ولو كنت مكان العجوز لأعطيتها 400 شاقل ويبدو ان هذا الجسد وهذا القوام الرشيق والغض يستحق أكثر.
بعد أن غادر الصديقان المقهى، فجأة شاهدت مجدولين على رصيف الشارع المقابل تؤشر بيدها للسيارات وكأنها تريد توصيلة إلى مكان معين، فتأكدت بأنها فشلت في استمالة العجوز، أو أنه بخيل، فطردها عنه.
شعرت بشيء من الغم، لأني تمنيت لها النجاح وأن يرزقها الله بالمال اليسير في هذا اليوم القائظ، ولعلها تجد مكانا تستظل فيه، بدل الوقوف في حر الشمس والبحث عن الرزق..
تذكرت فجأة أنني، تأخرت عن عملي في العيادة، فسارعت حتى ألتقط رزقي في الغرفة المكيفة.

الثلاثاء 23/10/2012


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع